الجمعة، 9 أغسطس 2013

اِنتقامه عزّ وجلّ (2)



بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة برنامج ذكرى

اِنتقامه عزّ وجلّ (2)

إلهي ,,, شديد بطشك شديد انتقامك ..إلهي أخذت بعد الإعذار وانتقمت بعد الإصرار ..
إلهي ,,, بطشك لا تطيقه الجبال الرواسي وانتقامك إذا حلّ فهو القاسي ..

إلهي ,,, مددت حبل حلمك فاغتـرّ من جهل بك ..

إلهي ,,, انتقامك قصم ظهور الظالمين وردَّ شرور المعتدين ..

إلهي ,,, إن اِنـتقمت فقد عدلت وإن عاقبت فقد أعذرت ..

الله جلّ وعلا ينتقم ممن استمرأ المعصية ، حول العبد أسـتار ، الله يستر عباده , من رحمته لا يفضح عبده من أول ذنب ولكنّ الله يجعل عليه سترًا وستـرًا وسـترًا ، فإذا هتك العبد ستر الله عليه بلا حياء ولم يجعل لنظر الله أي قيمة، الله يستر عليه لعله أن يتوب ولعله أن يستغفر ، فإذا تمادى في معصية الله وانهتكت أستاره فحينئذ يفضحه الله تعالى على رؤوس الخلق ويعاقبه الله جلّ وعلا بعقابه الشديد ..

ولذلك حذار أخ الإيمان !! حذار أن تصرّ على العصيان !! تب إلى الله  تبارك وتعالى من قريب فإن الله تعالى يقبل توبة التائبين ..

الناس يظنون أنهم مفلتون وأنهم يفعلون ما يريدون دون أن يكون هناك رقيب ولا حسيب ولكن الله يعلم سرهم ونجواهم ، أما انتقام الله جلّ وعلا فإنه شديد ولكن يكون الانتقام بعد الفرصة لأن الله تعالى عنده رحمة وعنده عذاب ، ورحمة الله تسبق عذابه ..

ويا من أعطاه الله نعمة صغيرة أو كبيرة ، صحة أو عافية ، زوجة أو ذرية ، وأي نوع من أنواع العافية والصحة والنعم التي لا تعدُّ ولا تحصى ، اِتـقِ الله في تلك النعمة .. اِتـقِ الله ولتكن تلك النعمة طريق إلى مرضاة الله رب العالمين لا تكن تلك النعمة سبب لأن يغضب عليك ربك ومولاك ، سبب لأن تسخطه سبحانه وتعالى.. يعطيك السمع فتعصي الله فتسمع ما حرمه الله ، يعطيك البصر فتعصي الله فتنظر إلى ما حرم الله ، يعطيك ويعطيك ، فإن الله قد يأخذك أخذ عزيز مقتدر.

الذين أنعم الله عليهم فكانوا في ترف وفي نعيم وتأتيهم الأرزاق من كل مكان كقوم سبأ ، الله تعالى رزقهم من حيث لا يحتسبون ، بلدة طيبة وربٌّ غفور .. ثمار وأشجار وظلال وغنى وترف ونعمة ، ولكنهم هل شكروا ؟؟ أعرضوا ، فأرسل الله تعالى عليهم (( سَيْـلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْـنـَـاهُمْ بِجَنَّـتَــيْهِمْ جَنَّـتَـيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْـلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَـلِيلٍ {16} سبأ )) والعجيب أن العقاب الإلهي نزل عليهم ، نزل عليهم من خلال ذاك السد ، السد الذي كان سببًا في أن يرعى تلك المنطقة ، وأن يوجه المياه العذبة وأن يجعلها بساتين لا تتأثر بكميات المياه الهاطلة ، وجدناه أنه هو هـو الذي قضى على حضارتهم والذي أنهاهم .. حينما تفتت ذاك السد وتآكل وانفجر فأكل وأخذ معه الأخضر واليابس فأصبحت بلادهم يبابًا بلقعًا لا خير فيها ..

لماذا جاء العذاب وجاءت العقوبة وانتقام الله ؟؟ لأنهم نسوا النعمة ، وكل كافر بنعمة الله ينساها فيجحدها ولا يشكرها ، عرّضها للزوال (( وَإِذْ تَـأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ {7} إبراهيم )) ..
(( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ{17} سبأ)) إن انتقام الله تعالى ليس لأي أحد ،  ليس لكل من عصى ولكن لمن تمرّد في العصيان فكفر نعمة الله تبارك وتعالى وبطر تلك النعمة , يعطيه الله السمع فيسمع ما يغضب الله ، يعطيه الله البصر فينظر لما حرّم الله ، يعطيه الله المال فيصرفه فيما حرم الله , وتلك يعطيها الله عزّ وجلّ وجهًا حسنًا جميلًا فتكشفه وتعصي الله عزّ وجلّ والله ما عصت الله إلا بنعم الله ، لو كان وجهها قبيح ما أبدته ، لو كانت الساقان قبيحتان ما أبدتهما لكن يوم أن أعطاهم الله النعم قاموا ينازعون الله بعصيانه بنعمه وينسوا أن الله شديد العقاب وأن الله قوي ذو انتقام وأن الله مطلّع وأن الله قادر على أن يسلب تلك النعم ..

إذا مدّ الله إلى العبد حبل نعمه وعطائه وفضله وكرمه ، أيقابل هذا العطاء والإحسان بالجحود ؟ لهذا الذي يقابل النعمة بالذنب ويحارب الله بالمعصية جعله الله تعالى عرضة لِانتقامه وبطشه لأن الإنسان إذا أسدي إليه النعم فقابلها بالكفر والجحود ، هذا الإنسان ما شكر النعمة ولكنه عرّضها أولًا لزوالها وانقطاعها ثم لعدم زيادتها ، أغلق الله عنه باب الزيادة ..

ويا من أكرمه الله عزّ وجلّ بأن لم يجعله محتاجًا لأحد من البشر وجعل البشر محتاجين إليه ، يا من أكرمه الله بأن لم يجعله محتاجًا لأحد من البشر وجعل الخلق محتاجين إليه ؛ عمال يعملون بين يديه ، خدم يخدمونه ويخدمون زوجه ويخدمون أبنائه ، ثم يقوم بعد ذلك فيتسلّط على أولئك الضعفاء يمنعهم أجورهم يذيقهم سوء العذاب يضربهم يؤذيهم .. هل تذكرت أن الله قوي ؟؟ وأن الله مطلع ؟؟ وأن الله أقدر عليك من قدرتك عليهم ؟؟ ورسولنا صلى الله عليه وسلم يمر بأبي مسعود في يوم من الأيام وهو يرفع يده ليضرب غلامًا من غلمانه مملوك اشتراه بماله وليس أجير استأجره ، ويقول له صلى الله عليه وسلم :{ اِعلم أبا مسعود ، اِعلم أبا مسعود إن الله أقدر عليك من قدرتك عليه } لكن بعد أن ضربه ، ويعلن أبو مسعود رضي الله عنه الندم ويعتقه في سبيل الله، ويقول له صلى الله عليه وسلم : { لو لم تفعل لمستك النار }..

(( وَاتْـلُ عَلَيْهِمْ نَبَـأَ الَّذِي آتَـيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْـبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْـنَـاهُ بِهَا وَلَكِنـَّـهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّـبَعَ هَـوَاهُ فَـمَـثَـلُـهُ كَـمَثَــلِ الْكَـلْبِ إِن تَـحْمِلْ عَلَيْهِ يَـلْـهَـثْ أَوْ تَـتْـرُكْـهُ يَـلْـهَـث ذَّلِكَ مَثَــلُ الْقَـوْمِ الَّذِينَ كَـذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّـهُـمْ يَـتَـفَـكَّـرُونَ {176} الأعراف )) .. فينبغي أن نحذر الطغيان كله ، وألا نأتي إلى نوع من أنواع الطغيان لأن من تعرض لذلك تعرض لانتقام الله تعالى .. فهذه رسالة لمن تعاظم وتكبر لمن نراه يعيش حالة عظمة وكبرياء ويطلب من الناس أن يتعلقوا به رجاءً وخوفًا ومحبة ، فهذه النوعية من الناس يستحق أن يُهان وأن يُذلّ والنار موعده ..

من كان لله تعالى وليًّا ولكن الإنسان عادى طائعًا يطيع الله وآذى رجلًا صالحًا يخشى الله هذا قد عرّض نفسه للحرب بينه وبين الله ، قال ربنا جلّ وعلا في الحديث القدسي {{ من عادى لي وليًّا قد آذنته بالحرب }} ومن هو ولي الله ؟؟ الذي إذا رُئي ذُكر الله ، ولي الله الذي يمتثل أمره ويجتنب نهيه ويستقيم على أمره ، هذا هو الولي لله حقًّا .. فمن حارب عبدًا من عباد الله صالحًا تقيًّا مقبلًا على ربه إنما عرّض نفسه للحرب بينه وبين ربه ، ومن ذا يطيق الحرب مع الله ؟؟
قد يكون هذا ولي من أولياء الله وأنت تسخر وتستهزئ وتتهكم ، ربما يكون حبيبًا إلى الله يرفع أكفه في جوف الليل فيدعو الله عليك ، فيقول الله : وعزتي وجلالي لأنصرنك ! مظلوم وولي من أولياء الله فتنزل بك آية من آيات الله .. وتذكر ذلك الحجاج ابن يوسف الذي يشهد التاريخ ويتذكر سيرته يوم أن سخر وآذى وليًّا من أولياء الله سعيد ابن جبير يُقاد إلى الحجاج بالسلاسل يقول له الحجاج : ما اسمك ؟ قال : سعيد ابن جبير ، قال : بل شقي ابن كسير ، فيسبّه الحجاج ويأمر بقتله بعد حوار طويل .. فإذا بذلك الولي يدعو الله ، يدعو الله قبل أن يموت أن لا يسلّط الله الحجاج على أحد غيره ، وأن يكون آخر من يتسلط عليه ذلك الحجاج ، فتخرج فيه قرحة بعد أن قتل ذلك الولي يقوم في جوف الليل يصيح يتألم يبكي يقول : مالي ولسعيد ابن جبير ..

وهذه رسالة واضحة بيّنة أن الذي يستحق أن ينتقم الله جلّ وعزّ منه هو الذي يعادي الصالحين ، ويعادي العلماء والدعاة الذين يبذلون حياتهم وأوقاتهم وأموالهم في سبيل أن ينصروا دين الله سبحانه وتعالى ..
وقفة ! يحتاج أن يتأملها تلك النوعية التي ما فتأت تسيء للعلماء والدعاة والعاملين لخدمة دين الله عزّ وجلّ ، عبر كلام ينطقون به ، أو عبر كتابة يكتبونها ، أو عبر تحريض مشين رخيص يمارسونه ليجهضوا هؤلاء الأولياء من أن يقوموا بدعوتهم وبإرشاد الناس ونصحهم  ..

لا إله إلا الله !! أي قلوب تلك التي لا تستشعر أن الله قادر على أن ينتقم وقد انتقم الله من كثير منهم ، ينتقم منهم وبعضهم إلى الآن لا يحس بذلك الانتقام .. يقول لي أحدهم : كنت أعمل في الربا .. راتبي ألاف الريالات لكن الله أراد أن يعطيني درسًا والحمد لله أني استفدت من ذلك الدرس,  نعم يقول الحمد لله أني استفدت من الدرس لأن بعض العقوبات التي يجعلها الله وينزلها بعباده هي خير لهم .. هي خير لهم ، قد تكون تذكرة ، قد يعودون إلى الله عزّ وجلّ بعد أن تنزل بهم تلك العقوبات وهذا خير لهم من نار التي تلظى التي لا يصلاها إلا الأشقى .. ذلك الرجل يقول: لما كنت أعمل في الربا وآكل المال الحرام والله ما أستيقظ الصباح إلا على بكاء ابنتي التي أصيبت بنوبة من الربو أحملها للمستشفى في كل صباح ، زوجتي إلى المستشفى من المرض ، سيارتي كم من الحوادث حصلت لي ، خراب في أجهزة المنزل هموم وغموم  وعذاب كنت أعيشه , أعلنت توبتي إلى الله وتركت الربا عملت في وظيفة براتب زهيد لكني أنام قرير العين .. لقد شفى الله ابنتي من الربو وشفى زوجتي من الأمراض وعشت قرير العين أعود في آخر اليوم أجلس مع عائلتي بهناء ..

الله ما توعد بالحرب بعض المعاصي الأخرى إلا هذه المعصية لكن حينما يكون العبد محاربًا لربه ويبارزه بهذه المحاربة من يستطيع أن يتحمل غضب الله عليه ؟؟ إذًا فلينتبه ذاك المرابي الذي ما زال مستقبلًا لدريهمات معدودة تخترق حسابه وقد أتت من مال حرام ، فليتذكر أن الواجهة التي تقف أمامه والتي يعلن معها الحرب إنها مع الله جلّ وعزّ ومع الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ويا من سوّلت له نفسه ونسي انتقام الله فتسلط على الأيتام وأكل أموال الأيتام وقام بإدخالها في أمور محرمة وفي مساهمات موهومة وفي قضايا خاسرة وما أتقى الله بهذا المال , أو أكل مال اليتيم لنفسه بحجج واهية أملاها له الشيطان ، هل تذكرت انتقام الله ؟؟ هل سمعت إلى قول الله تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا {10} النساء)) هل تستطيع أن تشرب الماء الساخن شديد السخونة ؟؟ هل تستطيع أن تشرب زيتًا مغليًّا في جوفك ؟؟ كيف تستطيع أن تأكل نارًا في بطنك ؟!!

يأتي أحدهم إلى ذلك الضعيف اليتيم الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتداء على حقه وقال :{ أُحذِّر حق الضعيفين : المرأة واليتيم } فيأخذ ماله ويجعل دمعته تجري على خده ويبكي هو وأهله في جوف الليل .. ويحسب أن الله لا يراه !! 

يحسب أن الله لا يراه !! أعرف أحدهم قصَّ عليّ قصة عاشرها ، يقول أعرف أحدهم أكل مال أيتام ، إنهم أبناء أخيه أكل مالهم بالباطل وتركهم في فقر ومسغبة ، وأخذ هو يتقلب في النعم التي ورثها من أبيهم ، ابتلاه الله عزّ وجلّ ببلاء انتقم منه في أبنائه كما ظلم أبناء أخيه ، بدأ مرض غريب يدب في أبنائه ، مرض الأول سافر به للعلاج لكن العلاج الدنيوي البشري لم ينفع مات الابن الأول ، مرض الثاني تنقل به للعلاج مات الابن الثاني ، مرض الثالث فأخذ يسأل عن أهل العلم والرقاة الشرعيين اتصل بأحد مشايخ بلده فقال له ذلك الشيخ :[ اِتق الله عزّ وجلّ والله ما أظن أن ما نزل بك إلا من ظلمك لأبناء أخيك ، اِتق الله أعد لهم حقوقهم رد لهم أموالهم لا تأكل حقهم !! ] اتصل بأبناء أخيه وأعلن توبته إلى الله ، بنى لهم منزلًا وأعطاهم مالًا .. فما هي إلا أيام وشفى الله له ابنه ..

إن مما ينبغي أن ننتبه إليه جميعًا نحن المسلمين والمسلمات أن من أعظم أسباب انتقام الله تبارك وتعالى تـفشّي المنكرات وعدم النكير على أهلها وأصحابها ، يقول ربنا وتعالى (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاؤُودَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ {78} المائدة )) فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الانتقام في هذه الأمة :{ يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ ، قالوا متى يا رسول الله ؟ قال : إذا ظهــرت المعازف – وفي لفظ إذا ظهرت القينات - } ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي في الصحيحين:{ ويل للعرب من شر قد اقترب ! قالوا : يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث } ..

أما المصيبة العظمى والانتقام الأليم فقد يكون في ذلك الذي مات قلبه يوم أن أوقع الظلم على أقرب الناس إليه، على القلب الحاني ، على الوالدين .. الوالدان بابان إلى الجنة بالبر والطاعة لهما أو بابان إلى النار بعقوقهما ، هذه معصية كبيرة بل عدّها عليه الصلاة والسلام من أكبر الكبائر .. [[ أكبر الكبائر ثلاث : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين وكان متكئًا صلى الله عليه وسلم قال : ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، مازال يكررها حتى قلنا ليته سكت]] فذكر عقوق الوالدين بعد الإشراك بالله ، فهذه من أكبر الكبائر وعقوبتها لا يؤجلها الله إلى يوم القيامة بل تعجل عقوبة عقوق الوالدين في الدنيا .. ترى أن الراحة نزعت وأن البركة من الأرزاق قد نزعت وأن الأبواب قد أغلقت لمن كان عاقًّا لوالديه هذا من انتقام الله تبارك وتعالى لهذه المعصية ..

أذكر أن أحدهم تجرأ على أمه وهددها بأن يقتلها بالسلاح إن لم تعطه ذهبها ، فأخذه الله أخذ عزيز منتقم فمات شر ميتة .. والآخر يقول لأمه وهي تطلب منه طلبًا بسيطًا : أسأل الله ألا أموت حتى أراك مشلولة شللاً رباعيًا ، ويخرج مسرعًا بسيارته فيصاب بحادث مروري وتكسر رقبته ويصبح على السرير مصابًا بشلل رباعي ، تأتيه أمه تبكي وهي تقول : يا فلان ! من الذي لم يمت حتى رأى الآخر مصابًا بشلل رباعي ؟

يقول عليه الصلاة والسلام : { ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله تعالى به في الدنيا مع ما يدخر من عقوبته يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم } نعم ! إنك إن قطعت رحمك ، إنك إن بغيت وطغيت ، إنك إن ظلمت فإن الله سبحانه وتعالى  يرسل عليك من انتقامه ما تجد به أثر هذه المعصية ..

فأين الذين عقّوا والديهم ؟ أين الذين تراهم وقد تلفظوا على أبائهم وأمهاتهم بألفاظ نابية ؟ أين الذين رموا أبائهم في دار العجزة ؟ أين الذين تراهم وقد تضايقوا من وجود أبائهم في بيوتهم حتى رأينا البعض بدأوا يتقاذفون أمهم كل يريد من الآخر أن يأخذها إرضاءً لتلك الزوجة ؟ أين هؤلاء الأبناء ليدركوا خطورة هذا الأمر أن عقوق الوالدين سيجدون تلك العقوبة ماثلة لهم في الدنيا .. فالمسلم يكون بارًّا بوالديه حتى يدفع عنه انتـقام الله وبطشه وعقابه..

إذًا هو نداء !! نداء أن نتقي غضب الله وانتقامه وسطوته ، وأن نعلم أن الله إذا أراد أن يأخذ العبد وينتقم منه فإن جنود الله لا تُعدّ ولا تُحصى ، ينتقم بالمرض ، ينتقم بالهموم ، ينتقم بأن يجعله يفقد عقله ، ينتقم بأن يجعل عليه من يتسلط عليه فيذلّه ، ينتقم منه في الدنيا وينتقم منه في الآخرة وانتقام الآخرة أشد وأقسى وأعظم (( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى {127} طه)) فلنتقِ الله ولنحذر غضب الله ، ولنحذر انتقام الله ولنتجنب ما يجعل ربنا يغضب علينا وينتقم منا ، ولنسأله سبحانه وتعالى العفو وأن نستسمح من كل من ظلمناه ..

نسأل الله أن يغفر لنا وإيّاكم ..

*****************


تابع القراءة...

الخميس، 8 أغسطس 2013

اِنتقامه عزّ وجلّ (1)





بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة برنامج ذكرى

اِنتقامه عزّ وجلّ (1)

إنَّ ربّنا الكبير المتعال المتصف بصفات الجبروت والكبرياء ينتقم شرَّ انتقام من الطغاة والجبابرة ، فهو سبحانه وتعالى شديد المحال وهو عزّ وجل عزيز ذو انتقام ، ألا تراه جلّ وعلا يقول وهو يقصُّ علينا قصص الغابرين من الذين أهلكهم سبحانه وتعالى رب العالمين ، فيقول عزّ وجلّ (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْـقُـرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ {102} هود)) إن أخذه : إن انتقامه مؤلم شديد ، كما قال سبحانه وتعالى (( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ {12} البروج )) إن بطش ربك : إن انتقامه سبحانه وتعالى شديد مؤلم ، يمهل عزّ وجلّ ولكنه لا يهمل أبــدًا..

قال صلى الله عليه وسلم في ذاك الحديث العظيم الذي يحتاج منّا أن نتأمله وأن ننظر فيه ، قال عليه الصلاة والسلام :{إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته, ثم قرأ صلى الله عليه وسلم (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْـقُـرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ))} هذا الحديث يوّجه رسالة مخيفة للظالمين ، الذين طغوا وتجبروا ، الذين تكبروا ، الذين عاثوا فسادًا في الأرض, إن الله تعالى يملي له ، يمد له في هذه الحياة ولكن الله تعالى إذ يكيد لهذا الضعيف لهذا الحقير لهذا المسكين فإن كيد الله تعالى متين كما قال الله عزّ وجلّ (( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ {45} القلم )) ..

وإن الله عزّ وجل إن كان قد أملى لهم في هذه الحياة الدنيا ففعلوا المعاصي والآثام وظلموا العباد إلّا أنَّ هناك حدًّا إذا وصلوا إليه أخذهم الله أخذ عزيز منتقم ، فانتقم من ذلك الظالم وعاقب ذلك المسرف الذي لم يعرف عظمة الله ولم يتأدب مع الله ولم يستحِ من الله ولم يرحم عباد الله بل تمادى وتمادى وتمـادى ونسي ، نسي أن الله شديد البطش ..

وهو يوجه رسالة عزاء ومواساة للمظلومين ، للضعفاء ، للمقهورين ، للمعذبين في الأرض ؛ أن الله عزّ وجلّ سينتقم لهم يومًا وسيدافع عنهم ..

وحينما تتأمّل هذا الحديث تجده يتحدّث عن سُنَّتين من سنن الله جلّ وعزّ :
السنّة الأولى : سنّة الإملاء والإمهال للظالمين .

والسنّة الثانية : أخذ الله جلّ وعزّ للظالمين وأنهم لن ينفلتوا من عقاب الله سبحانه وتعالى , سنّتان حاضرتان باقيتان ما بقي الليل والنهار ..

إلهي ... شديد بطشك شديد انتقامك .

إلهي ... أخذت بعد الإعذار وانتقمت بعد الإصرار .

إلهي ... بطشك لا تطيقه الجبال الرواسي وانتقامك إذا حلّ فهو القاسي .

إلهي ... مددت حبل حلمك فاغتـرّ من جهل بك .

إلهي ... انتقامك قصم ظهور الظالمين وردَّ شرور المعتدين .

إلهي ... إن اِنـتقمت فقد عدلت وإن عاقبت فقد أعذرت .

تعال معي لنمضي إلى الأمم السابقة ، نجد صورًا متباينة وعقوبات مختلفة .. وترى أن هناك فائدة أن نرى هذا التعدّد في الصور لأن واقع الناس في معيشاتهم التي يعيشونها تراهم قد يتمثلون صورة من هذه الصور فإنه لن يكون بمنأىً من أن تطاله تلك العقوبة التي سُلّطت على ذاك الإنسان .

ففرعــــــــــــــــــــون قد يتكرر في كل زمان ومكان ، فكيف تعامل الله جلّ وعز مع هذه الشخصية ؟؟ شخصية أعلنت عن قمة التكبّر والغطرسة (( أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى {24} النازعات )) وكان يقول (( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ {51} الزخرف)) فماذا فعل الله به ؟؟ (( فَـلَمَّا ءَاسَفُونَا انتَـقَـمْنَا مِنْهُمْ {55} الزخرف)) أخذه الله عزّ وجلّ هو وجنوده ..هو وقوته ..هو ومكانته ، فإذا بالأنهار التي تجري من تحته تجري من فوقه وإذا به يرفع يده ((آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90} يونس)) ذهبت (( أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)) ، ذهب الكبر والتسلّط فكانت تلك العاقبة أن أصبح غريقًا في الماء لا يستطيع أن يرفع رأسًا أو أن يقول قولًا .. ويقول الله تعالى (( آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ  وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {91} فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ {92} يونس)) ..

عذبّه الله القوي الشديد بسر الحياة ، بالماء ، الماء الذي يحيا به الناس وتحيى به الكائنات (( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ {30} الأنبياء)) يوم أن أراد الله أن يريه سطوته عذّبه بذلك الماء .. هو عرّض نفسه للبطش والانتقام والعقاب والعذاب لأنه تكبّر وتعالى فخرج على حدود نفسه ، أنه بشر وأنه مخلوق وأنه سيفنى وسيموت ، فهذا المتكبر قد عاجله الله بالعقوبة بل إن الله تعالى جعله عبرة لمن يخشى ولكنَّ كثيرًا من الناس عن آيات الله غافلون  ..

شخصية أخرى .. قارون : وهي تمثل الرأسمالية الجشعة في وقتها ، اِغتر بماله كان ينظر إلى الآخرين نظرة احتقار وازدراء ، ووصل به الأمر أن تلك المفاتيح التي تفتح بها تلك الحجرات لا يستطيع الرجال الأشدّاء أن يحملوها فكيف سيكون حال هذه الكنوز , أتاه من ينصحه يوجهه فكان هذا الرجل قد جهّز ردًّا لا يستطيع أن يدخل في حوار وفي نقاش (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي {78} القصص)) .. فإذا بالله عزّ وجلّ يمهله ثم يملي له ثم يملي له ، لكن إذا غضب الله أخذه أخذ عزيز ذو انتقام ، فماذا كانت النتيجة ؟؟ (( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ {81} القصص)) أين ماله ؟؟ أين قوته ؟؟ أين صولته ؟؟ أين الذين كانوا يتراكضون لخدمته ، لا يريدون أن يُصاب بشوكة ؟؟ ها هم يتركونه ويتقاعسون عن نصرته ، فكان ذاك الخسف الذي أودى بحياته ..

ألا ترى إلى السامري : ذاك الشقي ، الذي عبد العجل وزيّن لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل من دون الله تبارك وتعالى ؟؟ كيف أخذه الله في هذه الحياة ؟؟ (( فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَـقُـولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ{97} طه)) لا مساس لا أحد يمسه إنه يخشى من الذين يأتون إليه ليصافحوه لا يريد لأحد أن يقترب منه ، هذا مظهر من مظاهر أخذه سبحانه وتعالى بالمجرمين في هذه الحياة..

يا غافلاً عن بطش ذي العذاب الشديد كم لله تعالى من آخذات شداد .. تجبّر الظالمون فأخذهم أخذًا أليمًا .. وأفسد المفسدون فأخذهم أخذًا شديدًا .. أملى لهم في المهلة ولم يعاجلهم في المدة .. فحسبوا أن العذاب بعيد ونسوا إن أخذه أليم شديد .. حتى إذا أمنوا صبَّ عليهم العذاب صبًّا فأيقنوا أن لن يفوتوه طلبًا ..

عـــــــــــــــــاد : قوم تميزوا بقوة الأجسام وبالطول الفارع وبالشدّة وتراهم كانوا يتفاخرون كثيرًا بقوتهم ويرون أنهم أفضل من الأمم التي تجاورهم حتى أنهم من كبرياءهم قالوا (( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُــوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُــوَّةً {15} فصلت )) ولكن الله بأي شيء أهلكهم ؟؟ ما أرسل الله قوم أشداء يحاربونهم ، الله أهلكهم بالهواء !! الهواء الذي يتنفسه الناس !! كان هذا جندي من جنود الله دمّر هؤلاء القوم ، سلط الله عليهم ريحًا صرصرًا فجعلتهم كأعجاز نخل خاوية ، كانت الريح تأتي بأحدهم فترفعه إلى السماء ثم يسقط ، فيندقَّ عنقه وتزهق الأرواح .. هكذا كانت النتيجة وهكذا كان الانتقام وهذا هو العقاب .. أين قوتهم ؟؟ أين صولتهم ؟؟ أين أجسامهم؟؟ أين مالهم ؟؟ انتهى كل شيء ، ثم حينما تتأمل السياق القرآني تجد أن الله عزّ وجلّ قد قال بعد ذلك (( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ{18} القمر )) استفهام يستبطن الجواب ..

هذا هو انتقام الله لمن اغتروا بالقوة لأن الناس قد يغترون بالقوة في أي زمان إلى يوم القيامة ، قوة العلم ، قوة المال ، قوة الغنى ، قوة العدد والعُدّة ، هؤلاء لهم أن ينظروا إلى الذين عاجلهم الله بانتقامه وعقابه ، كيف دمّرهم الله فجعلهم عبرة ..

ومن عظيم انتقامه ما قصَّ الله تعالى علينا في قرى سدوم كيف أرسل الله تبارك وتعالى الملاك العظيم جبريل عليه السلام فاقتلع تلك القرى ومضى بها إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب ، ثم إذا بالله جلّ وعلا يرسل عليهم حجارة (( مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ {83} هود ))..

وهكذا نجد الله تبارك وتعالى يأخذ كل أمة بذنب من الذنوب وبطريقة عظيمة من طرق الانتقام ، قال ربنا جلّ وعلا (( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {40} العنكبوت ))..

وهذا نداء من الله ، وتحذير من الله(( أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ {16} الملك)) أين عقولكم؟؟ أين عقول أولئك الذين يتعرضون لسخطه ؟؟ ألا يخشون أن ينزل عليهم حاصبًا من السماء ؟؟ أو تفسح بهم الأرض من بين أيديهم ؟؟ أو يغشاهم من العذاب ما يغشاهم ؟؟(( أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ{16} الملك)) بالله عليكم لو خسفت الأرض ، أين نفر ؟ بما نلتجئ ؟ أين نذهب ؟(( أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا {17} الملك)) أمراض ، أوبئة ، طوفان ، بلاء (( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ {31} المدثر)) ..

الناس ينامون مطمئنين ولكن كم من قرية باتت على لهو وغفلة ومعصية وكبائر ومعاصي فدمرهم الله وهم نائمون في غفلاتهم وشهواتهم ونسيانهم .. هل نأمن أن يأتينا عذاب الله من حيث لا نحتسب ، ومن حيث لا ندري ؟؟  ((أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ {97} أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون {98} أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَـوْمُ الْخَاسِرُونَ {99} أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَـبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ {100} الأعراف)) ..

ويوم أن يغضب الله وينتقم فإنَّ بطشه شديد ، وإنَّ أخذه أليم ، وإنَّ عقابه عظيم (( لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {25} وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ {26} الفجر)) إنَّ المؤمن اليقظ يتيقن أن الله تعالى لا يغفل ، فيجعل بينه وبين انتقام الله وعذابه وقاية بأن يقترب من ربه وأن يتوب إليه من قريب وإلا فإن عقوبة الله حاضرة ، والعاصي لا يدري بأي عذاب سيأخذه ربه..
كم من أقوام أهلكهم الله بالزلازل ، كم من أقوام أهلكهم الله بالطوفان على الماء فأغرقوا جميعًا ، كم من أقوام أهلكهم الله تعالى بالبراكين ، كم من أقوام أهلكهم الله تعالى بالعواصف ، هذه مدمرات إلهية ،هل نأمن مكر الله عزّ وجلّ وانتقامه والله لا نستطيع ولكن علينا أن نقبل عليه حتى يرفع عنا غضبه وعذابه ..

ولا تغترَّن أيها المسلم أبدًا بما ترى من زخرف الحياة الدنيا عند الكافرين والفاجـرين ، فإن الله تعالى يملي للظالمين كما قال سبحانه وتعالى (( فَــلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَـتَحْنـَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُـواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ {44} فَـقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَــلَمُواْ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {45} الأنعام )) ..

إن الله تعالى يفتح عليهم من أبواب هذه الدنيا حتى إذا انشغلوا بها وأصبحوا في غمرتها فإن الله تعالى يفاجئهم بنقمته ويفاجئهم بعذابه .. ولذلك لا ينبغي لمؤمن أن يغترَّ بما عند كافر من صنوف هذه الدنيا ومن ألوان المتع والزخارف ، فهذه مسألة تحتاج منّا إلى تأمل وخاصة أننا قد نجد بعض ضعاف الإيمان والعلم حينما يرون الخير كل الخير في بلاد كافرة ما زالوا يتنعمون بهذا يتساءل أنّى لهم ذلك ؟ هل معنى ذلك أن الله جلّ وعزّ قد رضي عنهم ؟ كـــلا ، وهذا ما أدّب به الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام (( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُــمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِـنــفْتِــنَهُــمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّـكَ خَيْرٌ وَأَبْقَـى {131} طــه)) ..

أخي !! لقد سمعت ما سمعت وقد طرق هذا الحديث أذنيك ، وها أنت ترى فرعون حينما تهاوى وتلاشى ، وقد سمعت خبر قارون الذي كان يمتلك ما يمتلك من الأموال الطائلة ، وها أنت تشاهد تلك الأقوام التي تميّزت بالقوة والمنعة ، أين هم ؟؟ أين مصيرهم ؟؟ أين ذهبوا ؟؟ بماذا استحقوا عقاب الله جلّ وعزّ ؟؟ هل فتشت عن جواب ؟؟ هل حاولت أن تبحث بماذا مضوا هؤلاء بتلك السيرة المؤلمة المؤسفة التي عاشوا من خلالها مراحل مؤلمة في حديث عن خسف ونسف وغرق وريح ؟؟ إنها الــمــعصــــــية التي استحقوا بسببها عقاب الله جلّ وعزّ , إنه الـظـلـم الذي مارسوه فكانت تلك النتيجة المؤلمة .. 

فهل أنت من الظالمين ؟؟ هل أنت ممن مشى على سيرة هؤلاء وإن كان بصورة أقل ؟؟ فإن العقاب قد يطالك يومًا .. تذكر! أن أبواب التوبة قد فتحت بين يديك ، وأنها فرصة أن تصفي حساباتك في الدنيا ، وأن تعود إلى تلك الشخصيات التي مارست ظلمًا معها حتى لا ينتقم منك الجبـــار ..

أما زلت مقيمًا على خطاياك وعلى معاصيك ، ألا تخشى أن يأخذك الله تعالى أخذ عزيز مقتدر ؟ أما زلت مصرًّا على المعصية لا تخرج منها باستغفار ؟ الصالحون يقتربون من ربهم وينوبون إليه وإذا أذنبوا فشردوا بعيدًا عن منهجه عادوا إليه من قريب (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَـلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْـفَـرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْـفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{135} آل عمران )) هل لا زلت مصرًّا على المعصية ؟ هل لا زلت مصرًّا أن تعرّض نفسك لغضب الله وانتقامه وعذابه ؟؟

تذكر !! قول الله عزّ وجل ّ (( حَـتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قــَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ  كَلَّا إِنَّهَا كَـلِمَةٌ هُوَ قـَـائِلُهَا وَمِن وَرَائِـهِم بَـرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُــبْعَــثُــونَ {100} المؤمنون ))

فهل تتمنى أن تقول مثل هذه العبارة ؟؟ وأن تطلب مثل هذا الطلب ؟؟ ها هي الدنيا قد فتحت أبوابها مرحبة بك أن تفتش عن توبة في داخلها حتى تتجاوز ما سقط فيه الآخرون من عقاب الله عزّ وجلّ ..

وعلي أهمس بهمسة في أذن كل إنسان ما زال على معصية ، أو ما زال مغضبًا لربه ، أو ما زال ظالمًا في حياته أنظره الله وأملى له ولم يعاقبه ، أقول : أسرع بالأوبة والتوبة قبل أن ينزل بك العذاب ، واعلم أن الله قد يرسل إليك إشارات خفية وقد ينظرْك لأنه والله يحبك .. يحبك ، يترك لك المجال أن تعود إليه وأن تنيب ، فإذا استمررت في غفلتك وفي إعراضك وفي ابتعادك فأعوذ بالله أن تكون من الذين ينزل بهم عقاب الله عزّ وجلّ ..

اتصل بي أحدهم قصته غريبة ، يقول لي :[ ذهبت إلى الحرم ، كنت نازلًا من الطائف إلى جدة فمررت بمكة وبجوار الحرم أخذت شيئًا من ماء زمزم لأشربه ، فوالله ما أن بدأت أشرب ماء زمزم حتى أخذ فمي ينهمر بالدم يسيل أمامي , دماء شديدة تخرج من فمي حتى خفت ثم نظرت إلى وجهي في زجاج أمامي فإذا بالوجه قد انقلب إلى اللون الأسود - يقول لي : كما تجعل يدك في الفحم - ثم ما لبث ذلك اللون إلا دقائق وبدأت أمسح الوجه وبعد دقائق زال ذلك اللون أتصل بي يسألني .. سألته ، قلت له : بالله عليك كيف أنت مع ربك ومولاك ؟؟  أخبرني بأنه يعيش في أرغد عيشة لكنه مقصّر في جنب الله ، يصلي أحيانًا ويترك الصلاة أحيانًا أخرى ، غافل عن ربه ومولاه .. قلت له : خفت ! خفت من ذلك الدم ؟؟ وخفت من ذلك اللون ؟ قال : نعم ! قلت له : يا سبحان الله !! خفت من لون أسود في وجهك في الدنيا ، ألم تخف من يوم تسودُّ فيه وجوه وتبيضُّ وجوه ؟؟ أما خفت أن يسود وجهك في ذلك اليوم ؟ أما خفت أن تعذب في ذلك اليوم ؟ أما خفت أن تلتهمك نار جهنم في يوم القيامة ؟؟ تب إلى الله وعد إلى الله واعلم أن الله يحبك لأنه لم يقبضك على هذه المعصية !!!

وكذلك كل من عصى الله وظلم عباد الله يحمد الله أن الله لم يقبضه على تلك المعصية .. لأنه لو مات على تلك المعصية فإنها فضيحة الدنيا وخزي الآخرة ..

أسأل الله أن يسترني وإياكم في الدنيا وفي الآخرة ..
يتبع 





تابع القراءة...
.๑. (النور جل جلاله) .๑.

لماكان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نورا،ورسوله نورا،وكلامه نورا، ودار كرامته لعباده نورايتلألأ،والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين،ويجري على ألسنتهم،ويظهر على وجوههم،ويتم تبارك وتعالى عليهم هذا النور يوم القيامة