الأربعاء، 5 يناير 2011

قـــلـــوب الصـــــــائــمــــيـــن " التــضــرَّع و الخضــوع "


بـــسـم اللــه الـرحــمــن الرحــيـــم

قـــلـــوب الصـــــــائــمــــيـــن

التــضــرَّع و الخضــوع

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ..أما بعـــــــــد..
فإن من الأعمال الصالحة التي تتقرب القلوب بها إلى الله جل وعلا ، وخصوصًا في هذا الشهر المبارك ، شهر رمضــــــــــان ..التضرع والخضوع
 بين يدي الله جل وعلا ..
والمراد بالتضرع.. التدلل لله تعالى والخضوع له ،
 والانكسار بين يديه محبًة وتعظيمًا ،
 فإن دين الإسلام مبني على هذا المعنى ،
 إذ إن تعريف الإسلام هو الاستسلام لله وحده ،
 فأصل الاستسلام يكون في القلب بالخضوع لله وحده ،
 وبعبادته سبحانه وحده دون من سواه .
ومن هنا ..فإن الناظر في النصوص الشرعية
 يجد أنها ترغبّ في التضرّع بين يدي الله والإخبات
 له سبحانه ، فالتضرّع يكون في الدعاء كما قال تعالى :
(  ادعُوا رَبَّكُم تَضَرُّعًاً وخُفيَة إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعتَدِين )
والتضرع يكونعند ذكر الله تعالى كما قال سبحانه:
( وَاذكُر رَبَّكَ فِي نَفسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفة وَدُونَ الجَهرِ مِنَ القَولِ
بِالغُدُوِّ والآصَالِ وَلا تَكُ مِنَ الغَافِلِين )
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى
 أداء الصلاة أن يكون متضرّعًا خاضعًا ،
 وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما
 صفة النبي صلى الله عليه وسلم
عند ذهابه لصلاة الاستسقاء ، وكان من ذلك أنه
 يذهب متخشّعًا متخضّعًا متضرّعا ..
إن الله تعالى يرسل المصائب للناس لعلهم 
يخضعون لربهم جل وعلا ، كما قال سبحانه
(وَلَقَد أرسَلنَا إلىَ أمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأخَذنَاهُم بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ
 لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُون فَلَولاَ إذ جَاءَهُم بَأسُنَا تَضَرَّعُوا
 وَلَكن قَسَت قُلُوبُهُم ) 
وقال سبحانه( قُل مَن يُنَجِيكُم مِن ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحرِ
 تدعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفيَة
 لئِن أنجانَا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَاكِرِين قُلِ اللهِيُنَجّيِكُم مِنهَا
 ومَن كُلِّ كَربٍ ثُمَّ أنتُم تُشرِكُون )
وقال سبحانه( وَمَا أرسَلنَا فِي قَريَةٍ مِن نَبِي إلا أخذنَا
 أهلَهَابِالبَأسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُم يَضَّرَّعُون) 
وقال الله جل وعلا مبيناً ًحال أهل الإيمان
 عند وصول النصوص الشرعيةإليهم
(وَليَعلَمَ الّذِينَ أتُوا العِلمَ أنَّهُ الحَقَّ مِن رَبِّك فَيُؤمِنُوا بهِ
 فَتُخبِتَ لَهُ قُلُوبُهُم وإنَّ اللهَ لَهَادِي الّذينَ آمَنُوا إلىَ
 صِرَاطٍ مُستَقِيم) 
ويقول سبحانه مُبينًا ثمرات الإخبات إلى الله
 والخضوع له جل وعلا
 ( إنَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواالصّالِحَاتِ وَأخبَتُوا إلَىَ رَبِّهِم
 أولَئِكَ أصحَابُ الجَنّة هُم فِيهَا خَالِدُون)
ويقول جل وعلا( وبَشِّرِ المُخبِتِين) ..
قال ابن عباس :[ هم المتواضعون ] وقال غيره 
[ المتضرعون ] .
الإخبات إلى الله .. يورث الطمأنينة ، والثقة بالله
وحسن الظن به سبحانه ،
 والإخبات إلى الله يقطع تعلّق القلب بغير الله ..
ومن مظاهر الخضوع لله والإخبات بين يديه ..
الركوع والسجود الّلذان يدلّان على غاية الخضوع لله ،
 الخاشع المتضرع يسأل الله مسألة المسكين الذليل
الذي انكسر قلبه ،
 وذلّت جوارحه ، وخشع صوته حتى إنه لا يكاد تبلغ ذلّتُه
 ومسكنته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه . 

ومن أكبر الدواء لما يصيب الإنسان من البلاء ..

التضرع لله وحده ، لا سيّما في أوقات الإجابة ..
إن قلوب العابدين تُحصّل في أوقات السحر من الرقة
 والتضرع وحلاوة العبادة ،
 ما يجعل العبد يحسّ بمخاطبته لربه ..
إن العبد المؤمن يحركه إلى التضرع والخضوع لله .. 
مشاهدة قدرة الله ..واستحضار عظمة الله وغناه ..
 مع معرفة العبد بشدّة حاجته إلى ربه جل وعلا ،
 وفقره إليه ، واضطراره لمعونته مع ما لدينا
 من نقص وتقصير..إن التضرع بين يدي الله..
 يجعل القلب حاضرا ًحال مخاطبتنا مع الله جل وعلا ،
 قال ابن القيم 
[إذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب واجتماعه بكلّيّته 
على المطلوب ، وصادف وقتا ًمن أوقات الإجابة ،
 وصادف خشوعا ًفي القلب ،
وانكسارا ًبين يدي الرب ، وذلّا ًله وتضرعا ًورغبة ،
 واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ،
 ورفع يديه إلى الله تعالى
 وبدأ بحمد الله والثناء عليه ، ثم ثنّى بالصلاة
على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ،
 ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ،
 ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة ،
 وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة ،
 وتوسّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده ،
 وقدّم بين يدي دعاءه صدقة ،
 فإن هذا الدعاء لا يكاد يُردُّ أبدا ولا سيما إن كان الدعاء
 بالأدعية المأثورة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
 والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها متضمنة
 للاسم الأعظم ] .

في الدعاء من الفائدة .. التضرع بين يدي الله جلّ وعلا ،
 وذلك منتهى العبادات ،
 فالدعاء يرد القلب إلى الله بالتضرع والاستكانة ،
 ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،

لأن الدعاء يرد القلوب إلى الله بالاستكانة والتذلل .
إن ترغيب الشارع في إخفاء بعض العبادات لتكون أعظم
 في التضرع بين يدي الله ، وأقرب إلى حضور القلب مع الله ،
 وأبعد عن الرياء والمباهاة ،
 وأعون على تدبر معنى ما يدعو به الإنسان أو يذكر به ربه ،

 فيكون ذلك سببا ًمن أسباب علوّ درجته في دنياه وأخراه .

أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتضرعين

 بين يدي الله في كل حين .. كما أسأله جل وعلا 
أن يصلح قلوبنا ، وأن يجعلها متعلقة بالله جل وعلا ..
هذا والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين ..... 


تابع القراءة...

قــــلـــوب الصــــائـــمـــيـــن " محبـــــــــــــــة المؤمنــــــــــــيــــن "


بــســــم الــله الـــرحــمـن الـرحــيـــم


قــــلـــوب الصــــائـــمـــيـــن


محبـــــــــــــــة المؤمنــــــــــــيــــن




الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .. 

أما بعــــــــــــد...

فإن من العبادات القلبية التي يؤجر العبد عليها .. محبــــــــــة المؤمنيـــــــــن .. بأن يكون بين العبد وبين غيره من المؤمنين مودّة ، يفرح بلقائهم ، ويستبشر برؤيتهم ، ويُسرُّ بوصول الخير إليهم ، ويتعاون معهم ..


جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم { ذكر أن رجلاً زار أخا له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته (أي طريقه ) ملكا ، فلما أتى عليه قال الملك : أين تريد ؟ قال :أريد أخا ًلي في هذه القرية ، قال هل لك عليه من نعمة تردّها إليه ؟ قال: لا ..غير أني أحببته في الله تعالى ، قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبّك كما أحببته فيه }.
إن الأخوّة الإيمانية ..تنطلق بين المؤمنين فتجعل بينهم المحبة والألفة ، ومن ثم يوجد بينهم الأخلاق الفاضلة وحسن العشرة وكريم الصحبة ، جاء في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ المؤمن مألفة ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف } .

إن من أسباب انتشار المحبة بين المؤمنين .. أن يفشوا السلام بينهم ، فيسلم المرء على من عرف ومن لم يعرف من المؤمنين ، جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{لا تدخلون الجنة حتى تُؤمنوا ، ولا تُؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟! أفشوا السلام بينكم}.

إن من أسباب وجود المحبة بين المؤمنين .. أن يُهدي بعضهم إلى بعض كما في الحديث { تهادَوا تحابّوا } جاء عند الطبراني مرفوعا { ثلاث يصفّين لك ودّ أخيك : تُسلّم عليه إذا لقيته ، وتُوسّع له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسماءه إليه } وفيه عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ إن من عباد الله لأناس ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله .. قالوا : يا رسول الله تُخبرنا من هم ؟ قال : هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوا لله إن وجوههم لنور ، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، أولئك أولياء الله ، ثم قرأ ]ألا إنَّ أولِيَاءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنُون(.


جاء في سنن أبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله } روى الإمام مالك في الموطئ بسند جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{قال الله عز وجل : وجبت محبتي للمتحابين فيّا ، والمتجالسين فيّا ، والمتزاورين فيّا ، والمتباذلين فيّا ، فالمتحابون يُحبهم الرحمن متى كان تحابهم لله } .

محبة المؤمنين لبعضهم .. توجد حلاوة الإيمان في القلب ، كما في الصحيح { ثلاث من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ...} الحديث . 



إن محبة المؤمنين لبعضهم .. من أسباب كونهم يستظلّون في يوم القيامة ، حيث تدنو الشمس من الرؤوس ،ويلجم العرق بعض العباد كما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، وذكر منهم رجلين تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه} ، وفي صحيح مسلم :{ يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي .. اليوم أظلّهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي } وفي الترمذي بسند جيد :{ قال الله : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور ، يغبطهم النبيون والشهداء } .


إن انتشار المحبة الإيمانية والتآلف بين المؤمنين من أكبر نعم الله تعالى على عباده المسلمين ، قال تعالى )واعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعَاً ولا تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم إذ كُنتُم أعدَاءً فَألّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأصبَحتُم بِنِعمَتِهِإخوَانَا ( وقال سبحانه ) وإن يُريِدُوا أن يخدَعُوك فإنَّ حَسبَكَ الله هُوَ الّذِي أيّدَكَ بِنَصرِهِ وبِالمُؤمِنِين وألّفَ بَينَ قُلُوبِهِم لَو أنفَقتَ مَا فِي الأرضِ جَمِيعَاً ًمَا ألّفتَ بَينَ قُلُوبِهم ولَكنَّ اللهَ ألّفَ بَينَهُم إنّهُ عَزيزٌ حَكِيم ( .

ولنشر الأخوة والمحبة الإيمانية .. جاءت الشريعة بالترغيب في الأخلاق الفاضلة والأقوال الطيبة ، بل رغّبت الشريعة في الإصلاح بين المتخاصمَين كما قال سبحانه ] لا خَيرَ في كَثِيرٍ مِن نَجواهُم إلا مَن أمَرَ بِصَدقَةٍ أومَعروفٍ أو إصلاحٍ بَينَ النّاس ومَن يَفعَل ذَلِكَ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ الله فَسَوفَ نُؤتِيهِ أجرَا ًعَظِيمَا( وقال سبحانه ) فاتَّقُوااللهَ وأصلِحُوا ذَاتَ بينِكُم( .


إن نعمة المحبة في الله منّة من الله وهبة منه سبحانه ، كما قال جل وعلا ) واذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم إذ كُنتُم أعدَاءً فَألّفَبَينَ قُلُوبِكُم فأصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إخوانَا ( قال ابن مسعود :[ كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلمهم هؤلاء الكلمات اللهم أصلح ذات بيننا وألّف بين قلوبنا .



إن المحبة الإيمانية .. تزيد في تماسك المسلمين وتآلفهم ، واجتماعهم وقوتهم ، وتجعل بعضهم يعين بعضهم الآخر على الخير ، وبذلك تسلم قلوبهم وتطمئن نفوسهم ، ويرضى عنهم رب العزّة والجلال .



إن من مقتضى المحبة الإيمانية .. أن يحب العبد المؤمن أن يصل لإخوانه الآخرين الخير ، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه} .



إن من أسباب زوال المحبة الإيمانية .. أن يترك المؤمنون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن بني إسرائيل أول ما وقع فيهم النقص أنه كان الرجل يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه ، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى أن يكون أكيله وشريبه وخليطه ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض .



جاء في الصحيح من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ، لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام } وما ذاك إلا لأن الشيطان حريص على إيجاد العداوة بين المؤمنين ، وإبعاد الأخوة الإيمانية ، وذلك بما يفعله الشيطان من بذل الأسباب المؤدية للبغضاء بينهم ، قال تعالى ) إنّمَا يُرِيدُ الشَيطَانُ أن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ و البَغضَاءَ فِي الخَمرِ والميسِرِ ويَصُدّكُم عَن ذِكرِ اللهِ وَعَنِالصَلاةِ فَهَل أنتُم مُنتَهُون(وقال سبحانه )وقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا التي هِيَ أحسَن إنَّ الشَيطَانَ يَنزَغُ بَينَهُم إنَّالشَيطَانَ كَانَ للإنسَانِ عَدُوّاً مُبِينَا( .



جاء في السنن من حديث الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبّت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم } .

فمن هنا يجب على المؤمنين أن يستشعروا التقرّب لله جل وعلا بإيجاد المحبة بينهم وبين إخوانهم المؤمنين ، فذلك من أعظم العبادات التي يتقرّب بها المؤمنون إلى ربهم جلّ وعلا ... 



اللهم اجعل في قلوبنا محبة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها ..
هذا والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .... 
تابع القراءة...

الثلاثاء، 4 يناير 2011

قلوب الصائمين " الحيـــــــــــــــــــاء "



بسم الله الرحمن الرحيم


قلوب الصائمين


الحيـــــــــــــــــــاء

الحمد لله لا يستحيي من بيان الحق وتوضيحه )إنَّ اللهَ لا يَستَحيِي أنْ يَضرِبَ
 مَثَلا ًمَا بَعُوضَة ً فَمَا فَوقَهَا(
..والصلاة والسلام على أشرف أنبياءه ورسوله..

أما بعــــــــــــد...
إن قلوب المؤمنين تتصف بصفة الحيـــاء .. فهي تستحي من الله ،
 وتستحي من عباد الله ..
والصــوم من الأعمال الصالحة التي تزيد من وجود الحيـــاء في القلوب ، 
وبالحيـــاء يعظم أجر الصائم ويكثر ثوابه .

الحيــــاء صفة تدفع إلى الإعراض عن القبيح ترفّعا ًعنه ، 
الحيـــاء مشتق من الحياة ، فإن القلب الحي يكون صاحبه حيّا ،
 فيه حياء ٌ يمنعه عن القبائح ، فإن حياة القلوب هي المانعة من القبائح
 التي تُفسد القلب ، إذ إنّ الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه
 فإنه يُسمى وقحا ، والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالط لرطوبة الحيـــاء ،
 فإذا كان وقحا ًيابسا ًصليب الوجه
 لم يكن في قلبه حياء توجب حياءه وامتناعه من القبيح .

الحيـــــــــاء مادّة حياة القلب .. وهو أصل كل خير،
 وذهاب الحياء ذهاب الخير أجمع ، إن الذنوب تُضعف الحيـــاء عند العبد
 حتى ربما انسلخ من الحيـــاء بالكليّة بسبب الذنوب ،
 بحيث لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ..

من استحيى من الله عند معصيته .. استحيى الله من عقوبته يوم لقاه ..
 خلق الحيـــاء من أفضل الأخلاق وأجلّها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا ،
 بل إن خلق الحيـــاء هو خاصيّة الإنسانية ، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم .

ولولا خُلُقُ الحيـــاء الفاضل .. لم يكرم الضيف ولم يوفى بالوعد 
ولم تؤدّى أمانة ،
 ولم تُقضى لأحد حاجة ، ولا تحرّى الرجل الجميل فآثره ، ولا ستر لغيره عورة ، ولا امتنع من فاحشة .
كثير من الناس لولا الحيـــــــاء لم يؤدٍّ شيئا ً من الأمور المفترضة عليه ،
 ولم يرعَ لمخلوق حقّا ، ولم يصل رحما ًولا بر والدا ،
 لأن الباعث على هذه الأمور إما أن يكون دينيًا وهو رجاء
عاقبتها الحميدة في الآخرة ، وإما أن يكون دنيويا ًعلويا وهو حيــاء
. فاعلها من الخلق ، فلولاالحيـــاء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعل صاحبها تلك الفضائل ..

إن الحيــــاء نور في قلب العبد .. يجعله ذلك الخلق يرى أنه واقف بين يدي ربّه ،
 فيستحي من الله في خلواته فضلا ًعن غيرها ، جاء في الصحيحين أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال :{ إن مما ورث الناس من كلام النبوّة الأولى
 إذا لم تستحي ..فاصنع ما شئت } .

ومما يبعث على الحيـــاء .. أن الله عزّ وجل يحب الحيـــاء ويأمر به ،
 ففي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
{الحيـــــــاء شعبـــة من الإيمــــان } ، وفيهما {الحيـــــاء خير كله..

ومما يدفع إلى الحيــاء .. أن يعلم العبد أن أنبياء الله عليهم السلام
 يتصفون بصفة الحيـــاء ، ففي الصحيح أن موسى عليه السلام
 كان حييّا ًستّيرا
 لا يُرى من جلده شيء استحياءً من الله ، وفي الصحيحين
 [ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ حيـــاءً من العذراء في خدرها ]
يعني المرأة غير المتزوجة أو في ليلة زواجها في خدرها
فإنه يكون في قلبها من الحياء ما الله به عليم ..
 وقال النبي صلى الله عليه وسلم
 عن عثمان رضي الله عنه : { ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة } 
وقال أنس :{ كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحيـــــــاء}

من الأمــور الدافــــعـة إلى أن يتخلّق الإنسان بخلق الحيــــاء ..
 أن يرى العبد كثرة نعم الله عليه مع تقصيره في جناب ربّه ،
 فإذا قارن العبد بين نعم الله وبين تقصيره توّلد من ذلك الحيــــــاء من الله . 

إن من أسباب وجود الحيــــــــاء في قلوب المؤمنين ..
 أن يستشعر العبد اطلاع الله عليه بحيث يجعله ذلك يستحيي من ربه ،
 فإن العبد متى علم أن الربّ جل وعلا ينظر إليه ويطّلع على جميع شأنه
 أورثه ذلك الحيـــــاء من الله .

إن شدّة محبة العبد لربه تجعله يستحيي من الله ..
 إذ إن نفس المؤمن لا تُطاوعه على إلقاء
 جلباب الحيـــــاء عند محبوبه جلّ وعلا .

ومن الأمور الدافــــعـة إلى التخلق بخلق الحيــــــــاء ..
 كثرة المنافع والفوائد التي يجلبهاالحيـــاء ، ففي الصحيحين من حديث
عمران ابن حصين رضي الله عنهما يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
{الحيـــاء لا يأتي إلا بخير } وفي السنن
 { ما كان الحيـــــاء في شيء قط إلا زانه.

الحيــــــاء يجعل النفس تتحمل أعباء الطاعات ..
الحيـــــاء يُبعد العبد عن معاصي الله ..
الحيـــــــاء يكفّ النفس عن كل ما يشين ويقدح .. 
الحيـــــــاء يُلبس العبد ثوب الوقار وثياب المروءة ..

قد يقترن بالكبيرة من الحيــــــــاء من الله والخوف منه سبحانه والاستعظام
 لذلك الذنب ما يُلحق تلك الكبيرة بالصغائر ،
 وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحيــــاء ما يلحقها بالكبائر ،
 بل قد يجعلها في أشنع رُتَبِهَا اعتبارا ًبما في القلب ،
 جاء في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
{ استحيوا من الله حق الحيــــــاء ..فقالوا : يا رسول الله إنّا نستحيي والحمد لله .
قال : ليس ذاك ، ولكن الاستحياء من الله حق الحيــــاء 
أن تحفظ الرأس وما وعى
 والبطن وما حوا ولتذكر الموت والبِلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ،
 فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحيـــــاء } ،
وروى احمد في الزهد أن رجلا ًقال للنبي صلى الله عليه وسلم 
{ أوصني . قال أوصيك أن تستحيا من الله
 كما تستحيي رجلا ًمن صالح قومك } ،
قال عبيد ابن عُمير : [آثر الحيـــــــــاء من الله على الحياء من الناس ] ..

الذنوب تُضعف الحيـــــــــــاء من العبد ،
 حتى ربما انسلخ من الحيـــــــاء بالكليّة ،
 حتى ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ، ولا باطلاعهم عليه ،
 إن بين الذنوب وبين قلّة الحيـــاءوعدم الغيرة تلازما ًعجيبا ًمن الطرفين
 وكلٌ منهما يستدعي الآخر ويطلبه ..من استحيى من الله عند معصيته ،
 استحيى الله من عقوبته يوم يلقاه .

إن من الحيــــــــــاء نصيحة الخلق ..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن حياءك من الله أعظم من خوفك
 من خلقه ،
 ترك ذلك عجز وخَوَر ليس من الحيـــاء المشروع في شيء .

ومن الحيـــاء أن تستحيّ أن تطلب غير مولاك ،
 وأن تعرض حوائجك على أحد سواه ، قال عمر رضي الله عنه :
[ من قلّ حياءه قلّ ورعه ، ومن قلّ ورعه مات قلبه ] ،
 وقالت عائشة رضي الله عنها :
[ خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في ولده ، وتكون في العبد
 ولا تكون في سيّده يجعلها إليه حيث يشاء :

أولها : صـدق الحديث ، وثانيها : صدق البأس ، وثالثها المكافأة بالصنائع ،
 ورابعها : حفظ الأمانة ، وخامسها : صلة الرحم ، وسادسها : تذمم للجار 
، وسابعها : التذمم للصاحب ، وثامنها : إعطاء السائل ،
 وتاسعها : إقراء الضيف،
وعاشرهن قالت : ورأسهنَّ الحيـــــــــــاء]، وقال أبو أيوب الأنصاري :
 [ أربع من سنن المرسلين.. التعطر والنكاح والسواك والحيـــاء].. 

أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإيّاكم لخيري الدنيا والآخرة ..
 وأن يجعلنا وإيّاكم من أهلالحيــــــــــــاء ,


 اللهم أنشر الحيـــــــــــاء في أمة نبيك ..


هذا والله أعلم ....
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ....



تابع القراءة...
.๑. (النور جل جلاله) .๑.

لماكان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نورا،ورسوله نورا،وكلامه نورا، ودار كرامته لعباده نورايتلألأ،والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين،ويجري على ألسنتهم،ويظهر على وجوههم،ويتم تبارك وتعالى عليهم هذا النور يوم القيامة